قوله تعالى ۞ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ۞ بين فهم العدول وتحريف الغالين

قررنا في المقالات السابقة أنََّ تسوَّر العلم الشرعي الشريف، والتعامل مع الوحي المعصوم من غير أدوات الفهم والاستنباط عمليةٌ في غاية الخطورة، وأخطرُ ما فيه: أن صاحبَه يزعم أن تصوُّراتِهِ الخاطئة، وفهمَهُ السَّقيم لنصوص الوحي المعصوم هو دين الله تعالى، فربما قتَل، وفجَّر، ودمَّر، وسعى في الأرض فساداً، ثم يخبر النَّاس أنه منطلق في إجرامِهِ هذا من أوامر الله تعالى، فيجعل ما حرم اللهُ تعالى دينَ اللهِ عز وجلَّ، ولا أعظم من هذه جريمة في حق نفسِهِ، وفي حق دينِهِ..

 

وقد أحببنا أن نضرب الأمثلة، ونسوق الأدلة؛ فنقوم بعرض بعض النصوص التي أخطأت التيَّارات المتطرفة في فهمِهَا، وكيف أنهم فهِموا الوحي المعصوم على غير حقيقتِهِ، وأنهم خالفوا ما أجمع عليه المسملون، وأنهم – على عكْس ما يروِّجون- قد خالفوا بأفكارِهِم وتطبيقاتِهِم ما أمر به الشرع الشريف..

 

ولنأخذ مثالا من الآيات التي تنطلق منها هذه التيارات المتطرفة، وتستدل بها على بعض مقولاتها وأفكارها المتطرفة، وننظر كيف أنهم فهموا الشرع الشريف بصورة مغلوطة؛ لأنهم لم يراعوا القواعد التي قررها أهل العلم في فهم الشرعِ الشريف..

 

وليكن مثالنا في هذا المقال هو قوله تعالى: ۞ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ۞ ..

 

فقد فهمَ منظرو التيَّارات المتطرفة، كالمودودي وسيد قطب، أن هذه الآية تعني أن من لم يحكم بما أنزل الله تعالى فهو كافرٌ كفراً مخرجاً عن الملَّة، معارضين بذلك ما قرره جمهور علماء المسلمين..

 

ولو أنهم نظروا في أسباب النزول، وما أجمع عليه العلماء من لدن عصر الصحابة إلى يومِنا هذا؛ لأدركوا أن الآية لا يمكن أن تُحمَل على هذا المحمل، وأنه لم يقل بهذا الفهمِ أحد من العلماء المعتبرين، بل هو قولُ الخوارجِ الذين ناصبوا سيدَنا علياً – كرم الله تعالى وجهه – العداء، حتى أنهم حكموا عليه – وهو باب مدينة العِلْمِ- بالكفر!

 

والمتأمِّل في سياق الآية يُدرِكُ سقم هذا الفهم، وأن أصحابَهُ قد انتزعوا الآية من سياقها، ولم يفهموها في الإطار الذي وضعها الشارع الحكيم فيه..

 

ولذلك: لو أننا رجعنا إلى فهم السلف، ونظرنا في كلام أهل العلم، لرأينا أنهم ينصُّون على أن هذه الآيات قد نزلت في اليهود الذين حرَّفوا كلام الله تعالى، فقد قال سيدنا عبدالله بن عباسٍ، رضي الله عنهما: أنزلها الله في الطائفتَيْنِ من اليهود[1]..

 

بل إن نفسَ الآية التي يستدلون بخاتمتها على هذا الفهم السَّقِيْمِ يظهرُ جليًّا في مطلعها أن الحديث فيها عن اليهود، وإليكَ نصَّ الآية الكريمة، يقول الله تعالى:

 

۞ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ۞ 

 

ويزيد ذلك وضوحاً عندما نقرأ الآية التي تليها مباشرةً والتي يقول الله تعالى فيها: ۞ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ۞..

 

فالضمير في قولهِ تعالى [ عليهم] عائد على اليهود، وفي قوله تعالى [ فيها] على التوراة.. 

 

فجليٌّ أن الكلامَ في الآيات الكريمات ليس عن المسلمين، بل إنه عن اليهود كما نص على ذلك أهل العلم وعلى رأسهم ابن عباسٍ – كما سبق-، وكما دلَّ عليه سياق الآيات.. 

 

لكنَّ هؤلاء المتطرفين قد اتبعوا سنن الخوارج خطوة خطوة، حتى أنهم قاموا بإنزال الآيات التي نزلت في غير المسلمين في المسلمين، وكفَّروا بها من يؤمن بالله تعالى!

 

بل إضافةً إلى ذلك: لو أننا راجعنا كلامَ أهل العلمِ، في فهم الآية الكريمة في عموم لفظِها، وبعيداً عن سبب نزولها لوجدنا أن أهل العلمِ قد نصُّوا على أنَّ الكفرَ المراد في هذه الآية الكريمة ليس كفراً مخرجاً عن الملَّةِ، بل إنه كفرٌ دون كفر، فقد رُوي عن سيدنا عبدالله بن عباسٍ، رضي الله تعالى عنهما، أنه قال في قولِهِ تعالى ۞.. وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ۞: كفرٌ لا ينقل عن الملَّة. يعني: الكفر المراد في الآية لا يخرج من المِلَّة، كما قال الخوارج وتابعهم على فهمهم هذا هؤلاء المتطرفون..

 

وعلى هذا الفهم الذي قرره سيدنا عبدالله بن عباسٍ وافقه جميع علماء الأمة، ولم يشذَّ عن هذا المسار من بعد الخوارج إلا هؤلاء المتطرفون، فقالوا بما قال الخوارج، وخالفوا جمهور الأمة، ثم زعموا أن شذوذهم الموروث عن الخوارج، وتطرفهم المستنبط من فهمهم الخاطئ لنصوص الوحي المعصوم: هو دين الله تعالى! فكفَّروا حكَّامَ المسلمين، واستحلُّوا دماءهم، بل إنهم كفَّروا جميع الملسمين بِناءً على رضاهم بهذا الواقع، وسكوتِهِم على ما يرونه كفراً، مستندين في ذلك كلِّه إلى فهمٍ متخبطٍ لكتاب الله تعالى..

 

فتأمَّل خطورة هذا المنهج، وكيف أن الدخول إلى حرم الشرع الشريف، ومحاولة فهمه – من غير أن يكون القائم بهذه العملية العلمية دارساً لمناهج العلماء، وعالما بطرق الاستنباط – قد يؤدي إلى أن يهدم صاحبُهُ دينَ الله من حيث يزعم أنه ينصرُهُ ويطبِّق تعاليمَه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

 

وربما كان للحديث بقية.


[1]   تفسيرالقرآن العظيم، للحافظ ابن كثير، ط: دار ابن كثير، ج2، ص114، والقصة طويلة فراجعها هناك