هل كان سيِّد قطب موضوعياً؟

ذكرنا في المقالات السابقة أن الأستاذ سيد قطب لم يكن عالما متخصصا في العلم الشرعي؛ ولذلك خرج على الناس بأفكار ومقولات مخالفة لما أجمع عليه علماء المسلمين، وقد كان لهذه الأفكار آثارها على أرض الواقع، فذهب بعضهم للترويع والقتل والتفجير، ويزعم أنه يطبق الشرع الشريف؛ منطلقاً من أفكار سيد قطب..

والذي أريد أن أشارك فيه القارئ الكريم اليوم: أن سيد قطب زيادةً على كونِهِ ليس من علماء الشريعة، وأنه قد تسوَّر العلم الشرعيَّ، وتكلَّم في غيرِ فنِّهِ فأتى بالعجائب، لم يكن منطلقاً في تقرير هذا الفهم وهو هادئ البالِ، يفكِّر بتؤدة وطمأنينة، ويقرأ بتمعن، ويحاول أن يفهم الواقع كما هو، ويحاول أن ينفذ إلى روح الشريعة بكلِّ إنصاف وموضوعية، لم يكن كذلك، بل كان ينطلق من نفسٍ مشحونة بالغضب، والحنَقِ، ساخطةٍ على كلِّ ما حولها، وكلِّ مَنْ حولها، ومَن كان كذلك فليس أميناً على عقول الناس حتى يزرع فيها فهمه، ولو كان من أهل العلم المتخصصين..

حتى إن النبي، صلى الله عليه وآله وسلَّم، قد نهى أن يقضي قاضٍ بين اثنين في حال الغضَب، فقد روى الترمذي بسنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: كَتَبَ أَبِي إِلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ قَاضٍ: أَنْ لاَ تَحْكُمْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: لاَ يَحْكُمُ الحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ. قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ[1].

قال في تحفة الأحوذي: .. لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ على الاجتهاد والفكر في مسألتهما، قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ: النَّهْيُ عَنِ الْحُكْمِ حَالَةَ الْغَضَبِ لِمَا يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ مِنَ التَّغَيُّرِ الَّذِي يَخْتَلُّ بِهِ النَّظَرُ، فَلَا يَحْصُلُ اسْتِيفَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَجْهِ.

قَالَ: وَعَدَّاهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَى كُلِّ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَغَيُّرُ الْفِكْرِ، كَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ الْمُفْرِطَيْنِ، وَغَلَبَةِ النُّعَاسِ، وَسَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ به القلب تعلقاً يشغله عَنِ اسْتِيفَاءِ النَّظَرِ[2].

فهذا ما يأمر به الشرعُ الشَّريف في حقِّ من كان عالماً متقناً قد حصَّل من العلم ما أهَّله لأن يتولَّى القضاء الذي هو سلطةٌ ملزمةٌ للناس يأثمون بترك الامتثال لها، فكيف بمَنْ كان ساخطاً غاضباً، يكتب كلامَه، الذي يتحول إلى أداةِ قتْلٍ وتفجيرٍ بعد ذلك، وهو في السجنِ، وهو أصلاً ليس من علماء الشريعة، ولا من دارسي العلم الشرعي على أهله؟!

وإليكَ كلامَ أبناء تلك التيارات أنفسهم عن هذه اللمحة في تكوُّن فكر سيد قطب، رحمه الله..

يقول الدكتور محمد عمارة، رحمه الله: ودخل السجن عقب أكتوبر سنة 1954م، وحكم عليه بالأشغال الشاقة خمسة عشر عاماً، لكن الرئيس العراقي عبدالسلام عارف – والذي كان معجباً بتفسيره للقرآن [ في ظلال القرآن]- طلب الإفراج عنه، فصدر له عفو صحي في مايو سنة 1964م، بعد عشر سنوات من السجن والتعذيب انتقلت بفكرِهِ نقلة نوعية، فحكم على المجتمعات الإسلامية كلها بالكفر والجاهلية، بل وحكم بارتداد الأمة عن الإسلام منذ قرون، وكتب يقول: إن وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرونٍ كثيرةٍ، والمطلوب جعلهم مسلمين من جديد![3].

فتأمَّل كيف بيَّن أن السنوات العشر التي قضاها في السجن قد انتقلت بفكرِهِ نقلة نوعيةً، حكم بها على المجتمعات بالكفر والجاهلية، وغيرها من الأفكار التي سيأتي تفصيلها فيما بعد، إن شاء الله تعالى.

ويقول القرضاوي: أقول: تكون هذا الفكر الثوري الرافض، في داخل السجن، وخصوصاً بعد أن أعلنت مصر وزعيمها عبدالناصر، عن ضرورة التحول الاشتراكي، وحتمية الحل الاشتراكي..[4].

إلى أن قال: وأنا برغم إعجابي بذكاء سيد قطب ونبوغه وتفوقهِ، وبرغم حبي وتقديري الكبيرَينِ له، وبرغم إيماني بإخلاصه وتجرده فيما وصل إليه من فكر، نتيجة اجتهاد وإعمال فكر: أخالفه في جملة توجهاته التي انتهت إليها مسيرته الفكرية الجديدة، التي خالف فيها سيد قطب الجديد: سيد قطب القديم، وعارض فيها سيد قطب الثائر الرافض: سيد قطب الداعية المسالم، أو سيد قطب صاحب ” المعالم”: سيد قطب صاحب ” العدالة”، كما خالف فيها كل – أو جل- دعاة الحركة الإسلامية قبله، وعلى رأسهم حسن البنا”.

وتأمَّل كيف عبَّر عن فكر سيد قطب بأنه فكرٌ ثوريٌّ رافضٌ، وأنه قد تكون داخل السجنِ، فلم يتكون ذلك الفكر في حالٍ كان صاحبها يبحث بإنصاف وموضوعية، ويريد أن يصل إلى الحقيقة بسكينة وهدوء، بل كان فكراً ثورياً رافضاً لكل من حوله ولكل ما حوله كما عبر القرضاوي في موضع آخر حيث قال: تكون هذا الفكر الثوري الرافض لكل من حوله وما حوله، والذي ينضح بتكفير المجتمع، وتكفير عامة الناس.. [5].

ولستُ هنا أخبرك أن فكر سيد قطب كان سويًّا قبل مرحلة السجن، فإن أفكاره مضطربة منذ أن تسوَّر الكلام في دين الله وليس هو أهلاً لذلك، لكنني أزيدك – عزيزي القارئ- سبباً على ما تقدم من الأسباب، يجعلك لا تثق في هذه العقلية، ويحذرك أن تجعل عقلك تبَعاً لفكْرٍ قد تكوَّن وتشكَّل في عقْلٍ لم يدرس شيئاً ولم يتخصص في الشريعة، وفوق ذلك كان مشحوناً، غاضباً، ثورياً، رافضاً..

وهنا قد ارتكب الأستاذ سيد قطب، رحمه الله وغفر له، جرماً آخر فوق كلامِهِ في دين الله بغير عِلْمٍ، وهو أنه قد قضى للشباب الذين اتبعوه على غير بصيرة وفهمٍ، وهو غاضب، مشحون، رافض لكل ما حوله، ولكل من حوله، ثم زعم أن هذا الفهم المُعبَّأ والمشحون هو دين الله تعالى وشرعه الحنيف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وربما كان للحديث بقية، والحمد لله رب العالمين.


[1]  سنن الترمذي، ح1334.

[2]  تحفة الأحوذي، ج4، ص469.

 [3] شخصيات لها تاريخ، ص235.

[4]  ابن القرية والكتاب، ج3، ص57.

 [5]ابن القرية والكتاب، ج3، ص56.